تترقب الأسواق قرار البنك المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر الخميس المقبل، وسط توقعات بتثبيت أسعار العائد للمرة السادسة على التوالي، في ظل تراجع معدل التضخم للشهر الثاني على التوالي، مقابل استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.
ورجحت 11 مؤسسة مالية وبنك استثمار تثبيت أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي المصري خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، في ظل تصاعد المخاطر التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والسلع عالميًا، وتراجع الجنيه أمام الدولار، رغم استمرار تباطؤ التضخم للشهر الثاني على التوالي، بحسب استطلاع لـ «الشرق بلومبرج».
وتشير التوقعات إلى أن الضغوط المرتبطة بسعر الصرف وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا تحد من فرص استئناف دورة التيسير النقدي، في وقت يسعى فيه البنك المركزي إلى احتواء التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، مع مراعاة تأثير مستويات الفائدة الحالية على النشاط الاقتصادي والموازنة العامة.
وشمل الاستطلاع مؤسسات ثاندر لتداول الأوراق المالية، والأهلي فاروس، وسي آي كابيتال، وزيلا كابيتال، وإتش سي للأوراق المالية والاستثمار، ونعيم للوساطة في الأوراق المالية، وأسـطول القابضة، ومباشر لتداول الأوراق المالية، وبرايم لتداول الأوراق المالية، وسيجما لتداول الأوراق المالية، إلى جانب كابيتال إيكونوميكس للأبحاث.
وكان البنك المركزي المصري قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الخامسة على التوالي خلال اجتماعه يوم 24 سبتمبر الماضي، ليستقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
وتتبقى أمام لجنة السياسة النقدية جلستان خلال العام الجاري، الأولى يوم 29 أكتوبر، والثانية والأخيرة يوم 17 ديسمبر 2026.
لماذا تتوقع المؤسسات المالية تثبيت أسعار الفائدة؟
تتباين مبررات المؤسسات المالية التي ترجح تثبيت أسعار الفائدة، لكنها تتفق على أن المخاطر التضخمية الخارجية وتراجع الجنيه يحدان من قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة في الوقت الحالي.
عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم في ثاندر لتداول الأوراق المالية، يرى أن الضغوط التضخمية الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط عالميًا، إلى جانب احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، تقابلها عوامل محلية، من بينها استقرار التضخم والإعلان عن عدم زيادة أسعار المحروقات، بما يخلق حالة من التوازن ترجح تثبيت الفائدة.
هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس، يرجح الإبقاء على أسعار الفائدة لتجنب إضافة أعباء جديدة على الموازنة العامة، فضلًا عن ارتفاع سعر الفائدة الحقيقي، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة للإبقاء على المستويات الحالية رغم تسارع التضخم الشهري.
سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي في سي آي كابيتال، ترى أن بقاء التضخم ضمن الحدود المتوقعة وتوافقه مع مستويات الفائدة الحالية، إلى جانب تأجيل أي زيادة في أسعار المحروقات، يدعم تثبيت الفائدة ما لم تظهر مستجدات تتسبب في ضغوط تضخمية تتجاوز التوقعات.
آية زهير، رئيسة قسم البحوث في زيلا كابيتال، تشير إلى أن تباطؤ التضخم محليًا يقابله تصاعد المخاطر التضخمية عالميًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واستمرار عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى التريث والحفاظ على مستويات مرتفعة للفائدة الحقيقية تحسبًا لأي ضغوط مستقبلية.
هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي في إتش سي للأوراق المالية والاستثمار، تتوقع تثبيت أسعار الفائدة رغم الضغوط الخارجية على سعر الصرف، التي ترجح أن تكون مؤقتة، مشيرة إلى استمرار جاذبية عوائد أدوات الدين المحلية.
ووفقًا لتقديرات إتش سي، سجل أحدث طرح لأذون الخزانة لأجل 364 يومًا عائدًا بلغ 25.91%، بما يعكس عائدًا حقيقيًا إيجابيًا قدره 10.5% بعد احتساب ضريبة بنسبة 15% للمستثمرين الأوروبيين والأمريكيين، استنادًا إلى توقعات المؤسسة بمتوسط تضخم يبلغ 11.5% خلال عام 2027.
سلمى طه حسين، مديرة إدارة البحوث في نعيم للوساطة في الأوراق المالية، ترى أن ضعف النشاط الاقتصادي وتباطؤ الزخم المحلي، إلى جانب تراجع التضخم العام، يقلصان الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي.
أما جيسون توفي، نائب كبير الاقتصاديين للأسواق الناشئة في كابيتال إيكونوميكس، فيعتبر أن اجتماع أكتوبر يأتي مبكرًا لاستئناف التيسير النقدي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا والتراجع الحاد للجنيه أمام الدولار. وتتوقع المؤسسة استئناف خفض الفائدة مطلع عام 2027، لتصل إلى 13% بنهاية العام.
مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث في أسطول القابضة، يرجح استمرار أسعار الفائدة الحالية بسبب ضبابية المشهد الجيوسياسي وصدمات أسعار الطاقة والسلع، إلى جانب تراجع الجنيه إلى نحو 55 جنيهًا مقابل الدولار.
ويرى أحمد عبدالنبي، رئيس قطاع البحوث في مباشر لتداول الأوراق المالية، أن تصاعد الضغوط التضخمية المستوردة يدعم الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
وتشير ولاء مسلم، مديرة وحدة البحوث في برايم لتداول الأوراق المالية، إلى أن التباطؤ النسبي في معدلات التضخم يدعم استمرار أسعار الفائدة الحالية.
فيما يرى مروان كريم، مدير أول البحوث في سيجما لتداول الأوراق المالية، أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتراجع سعر صرف الجنيه يحدان من مساحة التحرك نحو مزيد من التيسير النقدي.
التضخم يتراجع للشهر الثاني وسط مخاوف من موجة جديدة لارتفاع الأسعار
تباطأ معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، ليسجل تراجعًا للشهر الثاني على التوالي.
لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا، إلى جانب ضعف الجنيه، يثير مخاوف من تجدد الضغوط السعرية خلال الأشهر المقبلة، بما قد يحد من قدرة التضخم على مواصلة التراجع.
وعلى صعيد أسعار الطاقة محليًا، أبقت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية أسعار الوقود دون تغيير، بعد مراجعة محددات التسعير خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، رغم ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
وفي المقابل، توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع متوسط التضخم في مصر إلى 14.8% خلال السنة المالية 2026-2027، مقابل 13.3% في السنة السابقة، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في أكتوبر الجاري.
كما رجحت وكالة «فيتش» ارتفاع متوسط التضخم إلى 12.3% خلال السنة المالية الحالية، مقارنة بـ11.6% في السنة السابقة، بفعل زيادة أسعار الطاقة والسلع، قبل تراجعه إلى أقل من 10% خلال السنة المالية 2027-2028.
الدولار فوق 55 جنيهًا يزيد صعوبة قرار الفائدة
تزيد الضغوط على الجنيه من صعوبة قرار البنك المركزي، بعدما تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهًا، فيما فقدت العملة المصرية نحو 6.4% من قيمتها منذ بداية أكتوبر، وفق البيانات الواردة في تقرير «الشرق بلومبرغ»، وسط التوترات الإقليمية وخروج جزء من استثمارات الأجانب من أدوات الدين المحلية.
ويهدد انخفاض قيمة الجنيه بزيادة تكلفة الواردات المقومة بالدولار، وانتقال أثرها تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، بما قد يقوض المكاسب التي تحققت في مسار إبطاء التضخم.
وتشمل الضغوط المحتملة على سوق الصرف ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي لتغطية واردات الطاقة والقمح، وسداد استحقاقات الديون الخارجية ومستحقات شركات النفط الأجنبية العاملة في مصر.
كما قد تتعرض سيولة النقد الأجنبي لضغوط إضافية خلال الربع الأخير من العام، مع تحويل الأرباح إلى الخارج واحتمال زيادة واردات بعض السلع الغذائية استعدادًا لشهر رمضان.
وكانت «فيتش» قد ذكرت في تقرير صدر يوم 8 أكتوبر أن الحرب في إيران تسببت في خروج أكثر من 6 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية المصرية، وتراجع الجنيه بأكثر من 14% أمام الدولار، قبل عودة التدفقات واستعادة العملة معظم خسائرها خلال الفترة التي تناولها التقرير، وهي تطورات سبقت موجة التراجع الأخيرة في أكتوبر.
محافظ البنك المركزي يؤكد الاعتماد على مرونة سعر الصرف
أكد حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي المصري، خلال منتدى «مصر 2026»، أن البنك لا يستهدف سعرًا محددًا للجنيه، وإنما يترك تحديد قيمته لآليات السوق، معتبرًا أن مرونة سعر الصرف تمثل خط الدفاع الأول للاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية.
واعتبر عبدالله أن تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهًا أمر طبيعي في ظل نظام الصرف المرن، موضحًا أن تحركات العملات تعكس التطورات الاقتصادية والجيوسياسية، فيما يظل الحفاظ على استقرار الأسعار وخفض التضخم في صدارة أولويات السياسة النقدية.
الاحتياطيات الأجنبية وتحويلات المصريين يدعمان موارد النقد الأجنبي
في المقابل، يوفر ارتفاع الاحتياطيات الدولية وتحسن صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي هامشًا أكبر للتعامل مع تقلبات تدفقات رؤوس الأموال وضغوط سوق الصرف.
وارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل 33.2 مليار دولار في سبتمبر 2022، فيما تحول صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي من عجز بلغ 29 مليار دولار في يناير 2024 إلى فائض قدره 31.2 مليار دولار في أغسطس الماضي.
كما ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، مقارنة بنحو 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة، بما يعزز موارد النقد الأجنبي في ظل الضغوط الخارجية.
البنك المركزي يستهدف خفض متوسط التضخم إلى 7% في 2027
جدد محافظ البنك المركزي استهداف خفض متوسط التضخم إلى 7% خلال عام 2027، شريطة عدم وقوع صدمات داخلية أو خارجية جديدة، بعدما تراجع المعدل السنوي العام من 38% في سبتمبر 2023 إلى 13.9% في سبتمبر الماضي.
وأوضح عبدالله أن التعامل مع التضخم الناجم عن زيادة الطلب من خلال أسعار الفائدة أسهل نسبيًا من مواجهة الضغوط الناتجة عن صدمات العرض، التي تتطلب أدوات إضافية لمعالجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والسلع.
وتضع هذه التطورات البنك المركزي أمام موازنة دقيقة بين احتواء المخاطر التضخمية المرتبطة بسعر الصرف والطاقة، وتجنب زيادة أعباء الاقتراض على النشاط الاقتصادي والموازنة العامة، وهو ما يدعم توقعات المؤسسات المالية بتثبيت أسعار الفائدة في اجتماع أكتوبر المقبل.


التعليقات