حذر كلاس نوت، محافظ البنك المركزي الهولندي السابق ورئيس مجلس الاستقرار المالي سابقًا، والمرشح البارز لخلافة كريستين لاجارد في رئاسة البنك المركزي الأوروبي، من تخفيف قواعد رأس المال المصرفي بهدف إعادة الإقراض من قطاع الائتمان الخاص إلى البنوك، مؤكدًا أن المخاطر التي تنتقل إلى المؤسسات المالية غير المصرفية قد تعود سريعًا إلى الميزانيات العمومية للبنوك.
وفي مقابلة حصرية مع «The Banker»، قال نوت إن الحدود الفاصلة بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية ليست واضحة كما تبدو للوهلة الأولى، مشيرًا إلى أن المؤسسات غير المصرفية تولت بالفعل جزءًا من مخاطر الائتمان التي كانت تتحملها البنوك، إلا أن هذه المخاطر لم تنتقل بشكل كامل، نظرًا لاعتماد صناديق الائتمان الخاص بدرجة كبيرة على البنوك في الحصول على التمويل.
وأوضح أن هناك أدلة كثيرة على وجود علاقة تكاملية بين البنوك والمؤسسات غير المصرفية، لافتًا إلى أن المؤسسات غير المصرفية لا تتمتع بسهولة الوصول نفسها إلى مصادر التمويل التي تتوافر للبنوك، ولذلك تواصل البنوك تمويل جزء كبير من أنشطة المؤسسات المالية غير المصرفية.
وأضاف أن هذه «العلاقة التكافلية» قد تؤدي إلى عودة المخاطر سريعًا إلى ميزانيات البنوك من خلال قنوات التمويل، داعيًا الجهات التنظيمية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات غير المصرفية، بدلًا من تخفيف الضوابط الاحترازية المفروضة على البنوك التي تمولها.
وأكد نوت دعمه لتبسيط القواعد المعقدة بشكل غير ضروري وتقليل الأعباء الإدارية، لكنه رفض خفض مستويات رأس المال والمرونة المالية للنظام المصرفي بشكل عام. وقال إن البنوك كانت في عام 2008 «مضخمًا للصدمات»، بينما تحولت في عام 2020 إلى «ممتص للصدمات»، معتبرًا أن هذا الاختلاف يمثل نقطة جوهرية.
تراجع الغطاء السياسي
وحذر نوت من أن المخاطر التي تمتد عبر القطاعين المصرفي وغير المصرفي تتطلب تنسيقًا دوليًا، في وقت تؤدي فيه الانقسامات الجيوسياسية إلى تراجع التوافق السياسي الداعم للقواعد المالية العالمية.
وأشار إلى أن مؤسسات مثل مجلس الاستقرار المالي وبنك التسويات الدولية يمكنها رصد نقاط الضعف الناشئة، لكنها تحتاج إلى دعم سياسي من حكومات أكبر اقتصادات العالم من أجل الوصول إلى استجابة تنظيمية فعالة.
وأوضح أن غياب التوافق داخل مجموعة العشرين بشأن التعامل مع مخاطر معينة قد يسمح لمجلس الاستقرار المالي بالتنبيه إلى هذه المخاطر والتحذير منها، لكنه لن يتمكن من الوصول إلى استجابة تنظيمية فعالة دون وجود دعم سياسي كافٍ.
كما اعتبر نوت أن التغير المناخي يمثل اختبارًا فوريًا لقدرة التعاون الدولي على الاستمرار في ظل الانقسامات السياسية المتزايدة، مشيرًا إلى أن حرائق الغابات وموجات الحر المتكررة تؤكد أن مخاطر المناخ تؤثر بالفعل على الاقتصاد الحقيقي والنظام المالي.
مستقبل الدولار
وتناول نوت مستقبل الدولار الأمريكي، مؤكدًا أن التوقعات بشأن التراجع السريع لمكانته كعملة الاحتياطي العالمية الرئيسية تقلل من أهمية الأسس المؤسسية اللازمة لأي بديل موثوق.
وأوضح أن مكانة العملة كاحتياطي عالمي لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد، وإنما أيضًا على سيادة القانون، واليقين القانوني، واستقلالية البنك المركزي، وإمكانية تحويل العملة بحرية.
ورغم تحركات الصين لتعزيز الاستخدام الدولي لليوان الصيني، ومساعي دول مجموعة «بريكس» لتقليل الاعتماد على الدولار، يرى نوت أن العملات المنافسة ستواجه صعوبة في إزاحة العملة الأمريكية دون توافر المصداقية المؤسسية والأسواق العميقة والمفتوحة التي يحتاج إليها المستثمرون الدوليون.
الذكاء الاصطناعي ومخاطر الهجمات السيبرانية
وحذر نوت أيضًا من أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ظهور مصادر جديدة للمخاطر النظامية، من خلال الأتمتة واستراتيجيات التداول المتشابهة وتقليص الرقابة البشرية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم النظر إلى الابتكار التكنولوجي باعتباره تهديدًا فقط، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز الكفاءة، ويوفر خدمات أكثر ملاءمة للعملاء، ويدعم مرونة المؤسسات المالية.
وفيما يتعلق بالهجمات السيبرانية، أكد نوت أن التوترات الجيوسياسية المتزايدة تجعلها تهديدًا تشغيليًا أكثر إلحاحًا على النظام المالي، مشيرًا إلى أن بعض هذه الهجمات تقف وراءها دول.
ودعا الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية إلى التركيز ليس فقط على منع الاختراقات، وإنما أيضًا على ضمان القدرة على استعادة الخدمات الحيوية بسرعة في حال وقوع هجمات ناجحة.
مخاطر الديون السيادية
وسلط نوت الضوء كذلك على ارتفاع مستويات الدين العام، وغموض بعض عقود الديون، والعلاقة الوثيقة بين الحكومات والبنوك المحلية، باعتبارها مصادر مهمة للمخاطر.
وأوضح أن العلاقة بين البنوك والحكومات قد تخلق نوعًا من «التكافل غير الصحي»، ما يجعل التعامل مع أي أزمة سيادية أكثر صعوبة، مشيرًا إلى أن أزمة الديون السيادية يمكن أن تنتقل إلى القطاع المصرفي، كما يمكن للأزمة المصرفية أن تتحول بدورها إلى أزمة سيادية.
كما حذر من أن زيادة تركّز الديون السيادية داخل الأنظمة المالية المحلية قد تعزز انتقال الضغوط بين الحكومات والبنوك، مؤكدًا أن تقييم استدامة الدين لا ينبغي أن يعتمد فقط على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضًا المدخرات المحلية، والنمو الاقتصادي، والتركيبة السكانية، والعلاقة بين أسعار الفائدة ومعدلات النمو.
وشدد نوت على أهمية تنويع المحافظ الاستثمارية، بما في ذلك الأنظمة المصرفية المحلية، محذرًا من أن الانكشاف الكامل على ديون الحكومة المحلية يمثل خطر تركّز قد يتحول في مرحلة ما إلى مصدر للمشكلات.


التعليقات