توقع محللون وخبراء مصرفيون اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية، في ظل تباين المؤشرات الاقتصادية بين تراجع معدلات التضخم واستمرار الضغوط الناجمة عن التطورات العالمية.
وتفرض الزيادة في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار الاقتصاد العالمي، تحديات أمام البنك المركزي، الذي يسعى إلى احتواء التضخم والحفاظ على استقرار الأسواق وجاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية.
وعلى صعيد مؤشرات الأسعار، سجل الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين، الذي يعده البنك المركزي المصري، معدل تغير شهريًا بلغ 0.8% خلال سبتمبر 2026، مقابل 1.5% خلال الشهر نفسه من عام 2025 و0.3% في أغسطس 2026. كما انخفض معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 14.1% في سبتمبر، مقابل 14.9% خلال أغسطس الماضي.
ويأتي الاجتماع المقبل بعد أن أبقت لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعاتها الستة السابقة، عند 19% للإيداع و20% للإقراض، وذلك عقب خفضها بإجمالي 8.25 نقطة مئوية خلال ستة اجتماعات سابقة.
وتوقع مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث بشركة أسطول القابضة، تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، في ظل استمرار الضبابية التي تسيطر على الاقتصاد العالمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وما تفرضه من تحديات قد تنعكس على معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف محليًا.
وتلقي التطورات السياسية والإقليمية بظلالها على أسواق الطاقة، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، إلى جانب التصعيد الإقليمي، بما يشمل التوترات بين السعودية والحوثيين. وفي هذا السياق، أشار شفيع إلى ارتفاع أسعار النفط ووصول خام برنت إلى مستويات 111 دولارًا للبرميل، وهو ما يزيد المخاوف من انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات وارتفاع معدلات التضخم عالميًا.
وعلى صعيد السياسة النقدية الدولية، أوضح أن احتمالات اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا تمثل أحد العوامل المؤثرة في قرارات البنك المركزي المصري، رغم عدم وضوح توقيت هذه الخطوة، سواء خلال الاجتماع المقبل للفيدرالي أو الاجتماع الذي يليه.
وتأتي هذه التوقعات بالتزامن مع استمرار التوترات داخل الاتحاد الأوروبي وتصاعد حالة عدم اليقين بشأن مسار الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يعزز توجه البنوك المركزية إلى الحذر في قراراتها النقدية، لحين اتضاح اتجاهات التضخم وأسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية خلال الفترة المقبلة.
ومن جانبه رجح أحمد ربيع، نائب رئيس إدارة البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، تثبيت البنك المركزي المصري أسعار العائد الأساسية خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية، مع الإبقاء على سعر الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، فيما تظل احتمالات رفع الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال اجتماع نهاية العام قائمة.
وتستند توقعات تثبيت الفائدة إلى استمرار نمو الاقتصاد العالمي، وإن كان بوتيرة أبطأ، بالتزامن مع بقاء أسعار السلع الأساسية عرضة للتقلبات في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بأسعار النفط والتطورات الدولية.
وعلى المستوى المحلي، تدعم توقعات نمو الاقتصاد المصري مواصلة الأداء القوي لقطاعات السياحة والاتصالات وتكرير البترول، إلى جانب التعافي المتوقع لنشاط قناة السويس، بما يعزز فرص استمرار النمو الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.
كما تعكس المؤشرات الاقتصادية الكلية قدرًا من المرونة، مدعومة بمرونة سعر الصرف، وارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى 57.3 مليار دولار في سبتمبر 2026، إلى جانب وصول تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 33.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري.
في المقابل، أعادت بيانات التضخم الأمريكية لشهر سبتمبر، التي سجلت ارتفاعًا أعلى من المتوقع، احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل، وهو ما زاد الضغوط على الجنيه المصري نتيجة تخارج استثمارات أجنبية من أدوات الدين. ومع ذلك، يرى ربيع أن مرونة سعر الصرف، وارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي المصري، واستمرار العائد الحقيقي عند مستويات موجبة معقولة، لا ترجح الحاجة إلى رفع الفائدة محليًا بصورة عاجلة.
ورغم استمرار ارتفاع معدلات التضخم السنوي، التي سجلت 13.9% للتضخم العام و14.5% للتضخم الأساسي وفقًا للأرقام الواردة، فإن وتيرة ارتفاع الأسعار شهريًا تبدو أكثر هدوءًا مقارنة بالمعدلات السنوية المتراكمة. كما أن الضغوط التضخمية الحالية ترتبط بصورة أكبر بجانب العرض، ولا تعكس حتى الآن تضخمًا مستدامًا ناتجًا عن زيادة الطلب.
ومن هذا المنطلق، يُرجح أن يواصل البنك المركزي مراقبة تطورات التضخم لتحديد مدى انتقال الضغوط السعرية من جانب العرض إلى جانب الطلب، خاصة بعد قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية العام، وهو ما قد يحد من الضغوط على توقعات التضخم خلال الفترة المقبلة.
وتبرز فجوة الناتج باعتبارها أحد العوامل المهمة في تحديد مسار السياسة النقدية، إذ لا يزال الاقتصاد يعمل دون طاقته القصوى، بعدما سجل نموًا بنسبة 4.7% خلال الربع الثاني، مقابل 5% في الربع الأول. ويشير ذلك إلى وجود طاقات إنتاجية غير مستغلة يمكنها استيعاب جانب من زيادة الطلب، بما يقلل احتمالات تحول صدمات ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة أو تغيرات سعر الصرف إلى موجة تضخمية مستدامة يقودها الطلب.
وبناءً على ذلك، من المتوقع أن يتريث البنك المركزي في قراراته، مع التركيز على طبيعة الضغوط التضخمية ومصدرها، وليس مجرد ارتفاع الأسعار، مع استمرار تثبيت الفائدة في الاجتماع المقبل ومتابعة التطورات الإقليمية والدولية عن كثب.
وتظل احتمالات رفع أسعار العائد بنهاية العام قائمة إذا استمرت الضغوط التضخمية واتجه الفيدرالي الأمريكي إلى رفع الفائدة مجددًا، بهدف الحفاظ على جاذبية أدوات الدين المصرية ودعم استقرار السيولة المحلية. ويظل السيناريو معرضًا للمخاطر حال استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء أو حدوث تراجع قوي في قيمة الجنيه، لا سيما إذا تزامن ذلك مع خروج استثمارات أجنبية وارتفاع توقعات التضخم.
ويري محمد عبدالعال، الخبير المصرفي، اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في 29 أكتوبر المقبل، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وتحركات سعر الصرف محليًا.
وتتمثل أبرز التحديات الحالية في استمرار أسعار النفط العالمية فوق مستوى 100 دولار للبرميل، مقارنة بالسعر التأشيري المحدد في الموازنة العامة عند 75 دولارًا، بالتزامن مع تجاوز سعر الدولار في البنوك مستوى 53 جنيهًا، ما يرفع تكلفة الواردات بالعملة المحلية، خاصة السلع الاستراتيجية والمواد الخام والمحروقات.
وتنعكس هذه التطورات على تكاليف الشحن والنقل والإنتاج، بما يعزز الضغوط الناتجة عن التضخم المدفوع بالتكلفة. وظهر ذلك في ارتفاع معدل التضخم الشهري لمدن مصر إلى 1.3% خلال سبتمبر، مقابل 0.1% في أغسطس، وهو ما يحد من وتيرة التراجع التي يستهدفها البنك المركزي لمعدلات التضخم.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى عبدالعال أن خفض أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل يبدو مستبعدًا، لتجنب إضافة ضغوط جديدة على القوة الشرائية للجنيه، مرجحًا أن تتجه لجنة السياسة النقدية إلى تثبيت أسعار العائد دون تغيير، مع مواصلة مراقبة تطورات الأسواق لفترة أطول.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وانعكاساتها على أسعار الطاقة وسعر الصرف، بما يدفع البنك المركزي إلى تبني نهج حذر لحين اتضاح مسار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.


التعليقات