كشف تحليل أجراه «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» عن تحول تدريجي في سياسة إدارة احتياطي الذهب المصري، مع ارتفاع حيازة البنك المركزي من مستويات كانت مستقرة قرب 75 طنًا لسنوات طويلة إلى ما يقارب 130 طنًا، بالتزامن مع التوسع في شراء الذهب المنتج محليًا من خلال قنوات تشمل شركة السكري لمناجم الذهب وشركة شلاتين للثروة المعدنية.
وأظهرت أحدث بيانات الاحتياطيات الدولية ارتفاع قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطي إلى 19.058 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقابل 17.139 مليار دولار في يوليو، بزيادة بلغت 1.919 مليار دولار. وتأتي هذه الزيادة بصورة رئيسية نتيجة ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، إلى جانب زيادة كمية محدودة في الحيازة.
كما ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية لمصر إلى 57.214 مليار دولار بنهاية أغسطس، لتقترب قيمة الذهب من ثلث إجمالي الاحتياطي.
4.177 مليون أوقية من الذهب
وبحسب التحليل، ارتفع رصيد البنك المركزي من الذهب إلى نحو 4.177 مليون أوقية بنهاية أغسطس، مقابل 4.159 مليون أوقية بنهاية ديسمبر 2025، بزيادة تقارب 17.9 ألف أوقية منذ بداية العام.
وتعادل الحيازة الحالية نحو 129.9 طن من الذهب عند تحويل الأوقيات إلى أطنان، بما يعكس استمرار الاتجاه الصاعد في حيازة البنك المركزي من المعدن النفيس.
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه البنوك المركزية عالميًا إلى زيادة الاعتماد على الذهب ضمن احتياطياتها وتنويع أصولها، إذ أظهر أحدث مسح لمجلس الذهب العالمي أن 89% من مسؤولي الاحتياطيات يتوقعون ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الـ12 شهرًا المقبلة، بينما تتوقع 45% من المؤسسات زيادة حيازاتها هي نفسها.
وليد فاروق: الذهب يعزز صلابة الاحتياطي
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن تنامي حيازة مصر من الذهب يعكس تحولًا في إدارة الأصول الاحتياطية، بالتزامن مع اتجاه عالمي نحو زيادة مخصصات الذهب وتنويع مكونات الاحتياطيات وتقليل الاعتماد المفرط على الدولار.
وأضاف أن شراء الذهب المنتج محليًا يحقق قيمة اقتصادية مزدوجة؛ إذ يحول جزءًا من الثروة التعدينية إلى أصل احتياطي سيادي، وفي الوقت نفسه يقلل الحاجة إلى استخدام العملات الأجنبية لشراء الذهب من الأسواق الدولية.
وأوضح أن الذهب لا يوفر حماية مباشرة لسعر الجنيه، لكنه يدعم صلابة الاحتياطي وقدرة البنك المركزي على مواجهة الصدمات وتقلبات العملات، بشرط أن يظل جزءًا من محفظة احتياطيات متنوعة تضم أصولًا سائلة يمكن استخدامها عند الحاجة.
من 75 طنًا إلى قرابة 130 طنًا
واستقر احتياطي مصر من الذهب عند نحو 75.6 طن لسنوات طويلة، قبل أن يبدأ مسار الصعود بصورة أكثر وضوحًا.
وجاء التحول الأكبر في فبراير 2022، عندما أضاف البنك المركزي نحو 44 طنًا إلى حيازته، لترتفع الحيازة إلى قرابة 125 طنًا، قبل أن تتواصل الإضافات في السنوات التالية.
وبحسب أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغت حيازة مصر نحو 129.67 طن بنهاية الربع الثاني من 2026، بينما تشير بيانات البنك المركزي في أغسطس إلى اقتراب الرصيد من 130 طنًا.
«السكري».. شراء الذهب المحلي مقابل التمويل بالجنيه
ويمثل منجم السكري إحدى القنوات التي استفاد منها البنك المركزي في شراء الذهب المنتج محليًا.
وبموجب اتفاقية بين البنك المركزي وشركة «سنتامين»، المشغلة لمنجم السكري، يتم توفير تسهيلات بالجنيه للشركة مقابل تسهيل بيع الذهب للبنك المركزي.
وكشفت إفصاحات «سنتامين» أن الشركة سهّلت بيع 17.52 ألف أوقية من الذهب للبنك المركزي خلال 2023 بقيمة 34.12 مليون دولار، مقابل 27.9 ألف أوقية في 2022 بقيمة 50.6 مليون دولار.
وتتيح هذه الآلية للشركة الحصول على التمويل بالجنيه لتغطية احتياجاتها المحلية، بينما يتم في المقابل تسهيل شراء البنك المركزي لسبائك الذهب المكررة.
ولا يعني ذلك أن البنك المركزي يحصل على الذهب الخام مباشرة من المنجم، وإنما تتم عملية الشراء في صورة سبائك مكررة وفق الآلية المتفق عليها.
«شلاتين» ترفع إمدادات الذهب للمركزي
وتشكل شركة شلاتين للثروة المعدنية قناة أخرى لتوريد الذهب المحلي إلى البنك المركزي.
وتتسلم الشركة الذهب من الشركات والأفراد المرخص لهم بالعمل في مناطق امتيازها بالصحراء الشرقية، ثم تسلمه إلى البنك المركزي وفق السعر العالمي للذهب المقوم بالدولار، على أن تتم تسوية القيمة بالجنيه وفق سعر الصرف الرسمي.
وارتفعت تسليمات شلاتين إلى البنك المركزي إلى 945 كيلوجرامًا خلال 2025، بزيادة بلغت نحو 29% على أساس سنوي.
وخلال الربع الأول من 2026، تجاوزت الكميات المسلمة 250 كيلوجرامًا، بزيادة 12% على أساس سنوي.
كما رفعت الشركة مستهدفها لتسليم الذهب إلى البنك المركزي بنهاية 2026 إلى نحو 1.5 طن، مقارنة بمستهدف سابق بلغ 1.25 طن، بدعم من التوسع في النشاط التعديني وزيادة الشركات العاملة في مناطق الامتياز.
الذهب المحلي.. بديل جزئي لتوفير العملات الأجنبية
ويرى «مرصد الذهب» أن توسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي في بناء الاحتياطي يمنح مصر ميزة إضافية، تتمثل في إمكانية تحويل جزء من إنتاج المناجم إلى أصل احتياطي دون الحاجة إلى شراء كامل الكميات من الأسواق العالمية باستخدام العملات الأجنبية.
ولا يعني ذلك أن شراء الذهب المحلي يلغي الحاجة إلى الدولار أو أن الذهب يحل محل الاحتياطيات السائلة، وإنما يوفر قناة إضافية لتنويع الاحتياطي ودعم مكوناته، خاصة مع ارتفاع مكانة الذهب عالميًا كأصل استراتيجي.
وأكد مجلس الذهب العالمي أن نصف البنوك المركزية المشاركة في مسحه لعام 2026 أشارت إلى إمكانية تمويل مشتريات الذهب الجديدة من خلال برامج شراء محلية بالعملة الوطنية، وهو ما يجعل التجربة المصرية في هذا المجال متسقة مع اتجاه عالمي أوسع.
توجه عالمي نحو زيادة حيازة الذهب
وتأتي التحركات المصرية في وقت سجلت فيه مشتريات البنوك المركزية العالمية من الذهب 288.9 طن خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 62% مقارنة بالربع المقابل من العام الماضي، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
كما سجلت البنوك المركزية صافي مشتريات بلغ 23 طنًا خلال يوليو 2026، بقيادة الصين التي أضافت 20 طنًا وبولندا بنحو 8 أطنان، وفق أحدث بيانات المجلس.
ويرى مجلس الذهب العالمي أن تنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، إلى جانب دور الذهب كمخزن للقيمة، أصبحت من أبرز دوافع البنوك المركزية لزيادة حيازاتها من المعدن النفيس.
الحاجة إلى مزيد من الإفصاح
وأكد فاروق أن تعظيم أثر سياسة شراء الذهب المحلي يتطلب إفصاحًا دوريًا أكثر تفصيلًا يوضح مشتريات البنك المركزي من السكري وشلاتين وغيرها من المصادر، مع الفصل بوضوح بين الزيادة الناتجة عن شراء أوزان جديدة والزيادة الدفترية الناتجة عن ارتفاع أسعار الذهب عالميًا.
وأضاف أن إنشاء مصفاة مصرية معتمدة دوليًا يمكن أن يمثل خطوة إضافية لتعظيم القيمة المضافة للإنتاج المحلي، من خلال خفض تكاليف التكرير الخارجي وتحويل الذهب المنتج في مصر إلى مورد أكثر انتظامًا وقابلية للدمج في منظومة الاحتياطي.
وبذلك، فإن زيادة حيازة مصر من الذهب لا تعكس مجرد ارتفاع قيمة أحد مكونات الاحتياطي، وإنما تشير إلى تعزيز دور المعدن النفيس كأصل استراتيجي داخل منظومة الاحتياطيات المصرية، بالتوازي مع الاستفادة من الإنتاج المحلي وتنويع مصادر القوة المالية لمواجهة التقلبات العالمية.


التعليقات