تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن، اليوم الأربعاء، يوماً مفصلياً في مسار السياسة النقدية، مع انعقاد اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي برئاسة جيروم باول، فيما يُرجح أن يكون آخر اجتماع له كرئيس للبنك، وسط ترقب واسع من الأسواق العالمية لقرار الفائدة وما قد يحمله من إشارات بشأن مستقبله.
وتتجه التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق 3.50% – 3.75% للاجتماع الثالث على التوالي، في ظل مساعي البنك لكبح التضخم الذي ارتفع إلى 3.3% مدفوعاً بزيادة أسعار الوقود على خلفية التوترات الجيوسياسية.
انقسام لجنة السياسة النقدية
ورغم هذا التوجه، تشهد لجنة السياسة النقدية انقساماً واضحاً حول الخطوة المقبلة؛ حيث تشير بعض المؤشرات إلى إمكانية خفض الفائدة لاحقاً، بينما يدعو عدد من الأعضاء إلى إبقائها مرتفعة أو حتى رفعها في حال استمرار الضغوط التضخمية.
وفي تطور موازٍ، يناقش مجلس الشيوخ ترشيح “كيفين وارش” لخلافة باول، بدعم من الرئيس دونالد ترامب، في خطوة تثير جدلاً سياسياً حول استقلالية الفيدرالي، خاصة في ظل مواقف وارش السابقة الداعية لخفض الفائدة.
مشهد معقد
ويبرز سيناريو غير مسبوق يتمثل في احتمال بقاء باول عضواً في مجلس المحافظين حتى عام 2028، حتى بعد انتهاء ولايته كرئيس، وهو ما قد يحد من قدرة الإدارة الأمريكية على تعيين أعضاء جدد، ويخلق حالة من ازدواجية القيادة داخل البنك.
ويأتي هذا المشهد المعقد في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي حالة من الضبابية، مع تباطؤ التوظيف واستقرار معدلات التسريح، ما يدفع الفيدرالي إلى تبني نهج حذر في قراراته المقبلة، بانتظار اتضاح تأثيرات التطورات الجيوسياسية على الاقتصاد.
البيانات الاقتصادية وتأثيرها على قرارات السياسة النقدية
وخلال الفترة الماضية، صدرت العديد من البيانات الاقتصادية والتي ستؤثر على قرارات السياسة النقدية، وفي هذا السياق، أظهرت بيانات التضخم الأخيرة ارتفاعا ملحوظا نتيجة صعود أسعار الطاقة، وبحسب البيانات، سجل التضخم الأمريكي على أساس سنوي نحو 3.3% خلال مارس، فيما كانت القراءة السابقة للتضخم الأمريكي قد بلغت 2.4% خلال شهر فبراير. كما أظهرت البيانات أن التضخم الأمريكي الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة ويُستخدم لقياس الاتجاه الحقيقي للأسعار، سجل 2.6% على أساس سنوي خلال مارس، بينما كانت القراءة السابقة للتضخم الأمريكي الأساسي عند 2.5%.
وأيضا، سجل سوق العمل الأمريكي مفاجأة إيجابية خلال بيانات شهر مارس الماضي بعدما أظهر تقرير رسمي إضافة نحو 178 ألف وظيفة جديدة، متجاوزًا بشكل كبير توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى إضافة 65 ألف وظيفة فقط. وعلى صعيد البطالة، أظهر سوق العمل الأمريكي تراجعًا طفيفًا في معدل البطالة ليسجل 4.3%، مقارنة بتوقعات كانت تشير إلى استقرار البطالة عند 4.4%، ما يعكس تحسنًافي أوضاع سوق العمل الأمريكي وقدرته على استيعاب المزيد من العمالة.
وكذلك، أظهرت البيانات الاقتصادية، تباطؤ نمو مؤشر الانفاق الاستهلاكي ليسجل المستوى 3 % على أساس سنوي خلال فبراير الماضي، وهو ما جاء مطابقاً أيضاً لتوقعات الأسواق، بعد أن أظهرت القراءة السابقة نموه بنسبة 3%.
وتعكس هذه البيانات الاقتصادية ارتفاع التضخم وتحسن أوضاع سوق العمل، واستقرار الانفاق الاستهلاكي،، مما قد يدفع الفيدرالي الأمريكي للحفاظ على أسعار الفائدة دون تغيير خلال هذا الاجتماع حتى تتضح الصورة أكثر مع توالي صدور المزيد من البيانات الاقتصادية المستقبلية وخاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط المرتفعة للغاية نتيجة حرب إيران.
سيناريوهات قرار الفيدرالي وتأثيره على الأسواق
السيناريو الأول: إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على الفائدة دون تغيير (غير مرجح)، ولكن بيان الفائدة، والمؤتمر الصحفي لمحافظ البنك قد يؤكد على ارتياح البنك لأوضاع التضخم واستمرار مخاوف سوق العمل وأن ذلك قد يدفعه لخفض الفائدة قريبا (لهجة تيسيرية نوعا ما)، هذا السيناريو قد يؤدي لتراجع الدولار الأمريكي وارتفاع أسعار الذهب ومؤشرات الأسهم الأمريكية والبيتكوين.
السيناريو الثاني: إذا قرر الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على الفائدة دون تغيير (مرجح)، مع الإشارة في البيان والمؤتمر الصحفي للمحافظ، إلى أن التريث والحذر هو الأفضل خلال الفترة المقبلة وخاصة مع ارتفاع التضخم، وتحسن أوضاع سوق العمل، وخاصة مع استمرار حرب إيران (لهجة حذرة)، وفي حالة حدوث هذا السيناريو، فقد يصعد الدولار، ومن ثم انخفاض متوقع لكل من الذهب والأسهم الأمريكية والعملات الرقمية وخاصة البيتكوين.
ويبقى قرار الفيدرالي الأمريكي محوريًا للأسواق العالمية، في ظل توازن دقيق بين التضخم المرتفع، قوة سوق العمل، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة. ويبدو أن السياسة النقدية الأمريكية تتجه نحو مزيد من الحذر، مع انتظار بيانات إضافية قبل أي تحول في مسار الفائدة خلال الفترة المقبلة.


التعليقات