انتقل إلى المحتوى
✔ مرخص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
النشرة البريدية
رأي

عمرو البهي يكتب| من الالتزامات إلى الأثر: كيف يُعاد تعريف العمل المصرفي المسؤول؟

رابط المقال
عمرو البهي الرئيس التنفيذي لبنك المشرق – مصر

لقد تجاوز مفهوم الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ESG مرحلة كونه مجرد إطار للإفصاح وإعداد التقارير، ليصبح اليوم عدسة استراتيجية تنظر من خلالها المؤسسات المالية إلى المخاطر، وتقيّم الفرص، وتبني قيمة مستدامة على المدى الطويل. والأهم من ذلك، أنه أعاد صياغة مفهوم العمل المصرفي المسؤول نفسه. فلم تعد قضايا مثل تغير المناخ، ندرة الموارد، والتغيرات المتسارعة في الأطر التنظيمية، اعتبارات هامشية بالنسبة للشركات والاقتصادات التي نخدمها، بل `أصبحت عوامل أساسية تؤثر في القرارات المالية والاستثمارية.

وفي مصر، لم يعد هذا التحول مجرد توجه طموح، بل أصبح التزامًا تنظيميًا واضحًا. فقد ألزم البنك المركزي المصري جميع البنوك العاملة في السوق المحلية بتطبيق نظام متكامل لإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية

ومن هذا المنطلق، لم يعد من الممكن قياس العمل المصرفي المسؤول استنادًا إلى البصمة البيئية للمؤسسة وحدها. فالأثر الحقيقي يكمن في كيفية توجيه رأس المال: ما الذي يتم تمويله، وما الذي يتم بناؤه، وأي القطاعات يتم دعمها خلال مرحلة التحول بدلاً من تركها تواجه التحديات بمفردها. فكل قرار ائتماني، وكل استثمار، وكل علاقة استشارية، تعكس رؤية للمستقبل الاقتصادي الذي نسعى إلى بنائه.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الاستدامة أيضًا أحد أبرز محركات النمو في القطاع المالي. فقد تحولت أدوات مثل السندات الخضراء والمنتجات الاستثمارية المدمجة بمعايير ESG من حلول متخصصة إلى مكونات رئيسية في العمل المصرفي الحديث. كما ترسل الأسواق رسالة واضحة مفادها أن المستثمرين، ورؤوس الأموال، والجهات التنظيمية باتوا يكافئون المؤسسات التي تتبنى نهجًا طويل الأجل قائمًا على الانضباط والمسؤولية، بدلاً من الاكتفاء بالمظاهر أو المبادرات قصيرة الأمد.

وتلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في تمكين هذا المستوى من الدقة والفاعلية. فاليوم تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات المتقدمة للبنوك تقييم المخاطر البيئية بدرجة أكبر من الدقة، من خلال تحليل تأثيرات التغير المناخي على المحافظ الائتمانية وإجراء اختبارات ضغط تأخذ في الاعتبار المتغيرات المستقبلية. وبهذا تنتقل الاستدامة من كونها مجرد بند في تقارير الإفصاح السنوية إلى عنصر أساسي في عملية صنع القرار الاستراتيجي، بما يعزز قدرة المؤسسات المالية على استباق المخاطر وتحديد المجالات التي يمكنها أن تقود فيها عملية التحول.

لكن كل ذلك لا يمكن أن يحقق أثرًا حقيقيًا دون منظومة حوكمة قادرة على ترسيخ هذه المبادئ. أعادت المؤسسات المالية الرائدة صياغة آليات المساءلة على أعلى المستويات من خلال ربط مكافآت القيادات التنفيذية بأداء الاستدامة، وتعزيز دور مجالس الإدارة في الإشراف على نتائج معايير البيئة والمجتمع، والتعامل مع الإفصاح والشفافية باعتبارهما ركيزة من ركائز الإدارة الرشيدة، لا مجرد متطلبات تنظيمية.
ومع ذلك، لا تستطيع أي مؤسسة بمفردها قيادة هذا التحول.

فنجاح مسيرة التحول البيئي يعتمد على قوة التعاون بين البنوك، وقطاع الأعمال، والحكومات، وشركات التكنولوجيا، حيث يمتلك كل طرف خبرات وإمكانات تكمل الآخر. وعندما تتكامل هذه الجهود، لا تقتصر المؤسسات المالية على تمويل الاستدامة، بل تصبح شريكًا فاعلًا في تصميمها وتحقيقها على أرض الواقع.

وفي المشرق مصر، يجسد تعاوننا مع VeryNile ضمن مبادرتنا العالمية Climb2Change هذه الرؤية، من خلال الجمع بين الحفاظ على البيئة وتعزيز الشمول المالي. فالمبادرة لا تقتصر على إزالة المخلفات البلاستيكية من نهر النيل، بل تمتد أيضًا إلى دعم الصيادين المحليين عبر توسيع نطاق الخدمات المالية وتعزيز سبل العيش المستدامة. وهي مثال عملي على ما يمكن أن تحققه الشراكات الاستراتيجية عندما تعمل المؤسسات جنبًا إلى جنب مع شركائها المحليين لتحقيق أثر مستدام.

وفي النهاية، لن تُقاس درجة نضج مفهوم ESG بما تعلنه المؤسسات من تعهدات، بل بما تستطيع تحقيقه. فالبنوك التي ستقود العقد المقبل لن تكون تلك التي تطلق أكثر الوعود طموحًا، وإنما تلك التي تجعل الاستدامة نهجًا راسخًا في كل قرار تتخذه، وتجسد التزامها من خلال نتائج ملموسة وشراكات فاعلة.

شارك برأيك

لو معاك مبلغ إضافي حاليًا.. هتختار تعمل بيه إيه؟

لو معاك مبلغ إضافي حاليًا.. هتختار تعمل بيه إيه؟

مقالات مقترحة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *