بنوك 24 بوابة معرفية وخدمية وتوعوية متخصصة معنية بالخدمات والمنتجات والأخبار البنكية، والأخبار الاقتصادية وفق القواعد المهنية الأصيلة...
مساحة 1 جانب الموقع معلق
مساحة 2 جانب الموقع معلق

خبراء: تشديد رقابي حاسم يعزز انضباط البنوك ويؤكد أولوية الاستقرار المالي لدى البنك المركزي

تعكس الغرامات التي فرضها البنك المركزي المصري مؤخرًا على عدد من البنوك تحولًا نوعيًا ومهمًا في فلسفة الرقابة المصرفية، بما يؤكد جدية التوجه نحو ترسيخ الانضباط المالي وتعزيز حوكمة المخاطر داخل القطاع. ولا تقتصر دلالة هذه الخطوة على قيمة الغرامات في حد ذاتها، وإنما تمتد إلى توقيتها ورسائلها التنظيمية، التي تعكس حرص البنك المركزي على حماية الاستقرار المالي في مرحلة اقتصادية دقيقة تشهد تحولات في السياسة النقدية واتجاهًا نحو خفض أسعار الفائدة.

ويؤكد هذا النهج أن البنك المركزي لم يعد يتعامل مع مخالفات الائتمان والالتزام باعتبارها مجرد أخطاء إدارية أو ملاحظات رقابية قابلة للتجاوز، بل بات ينظر إليها كمخاطر نظامية محتملة تستوجب الحسم والمساءلة. وهو ما يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية جودة النمو الائتماني، خاصة في ظل احتمالات التوسع في الإقراض خلال الفترات المقبلة، بما قد يحمله ذلك من مخاطر حال غياب الضوابط الصارمة والتقييم السليم للجدارة الائتمانية.

وكان فرض البنك المركزي المصري غرامة مالية قدرها 1.6 مليار جنيه على بنك HSBC مصر لمخالفته ضوابط منح التمويل والائتمان، وذلك بحسب القوائم المالية للبنك في أول 9 أشهر من 2025.

وتأتي هذه الغرامة ضمن عمليات تفتيش موسعة يجريها البنك المركزي على أعمال البنوك العاملة فى مصر والتي أسفرت عن غرامات مالية على عدد من البنوك.

قال الخبير المصرفي أحمد أبو الخير إن الغرامات التي فرضها البنك المركزي المصري على عدد من البنوك خلال عام 2025 وبداية عام 2026، على خلفية مخالفات تتعلق بضوابط منح التمويل والائتمان وعدم الالتزام بالتعليمات الرقابية، تمثل تطورًا لافتًا في مسار الرقابة المصرفية في مصر، مؤكدًا أن أهميتها لا تقتصر على قيمتها المالية غير المسبوقة، بل تمتد إلى توقيتها ودلالاتها التنظيمية.

وأوضح أبو الخير أن هذه الغرامات تعكس انتقال البنك المركزي إلى مرحلة أكثر تشددًا ووضوحًا في إحكام الرقابة على جودة الائتمان وتعزيز حوكمة المخاطر داخل القطاع المصرفي، مشيرًا إلى أن الرسالة الأساسية تتمثل في أن مخالفات الائتمان لم تعد تُنظر إليها باعتبارها أخطاء إجرائية محدودة، وإنما كمخاطر نظامية محتملة قد تهدد الاستقرار المالي.

وأضاف أن إدراك البنك المركزي لخطورة التوسع الائتماني غير المنضبط يتزايد في ظل التحولات الجارية في السياسة النقدية، ودخول الاقتصاد في دورة خفض أسعار الفائدة، وهو ما قد يدفع بعض البنوك إلى التوسع السريع في منح الائتمان بحثًا عن تعويض تراجع العوائد، دون مراعاة كافية لجودة المخاطر. وأكد أن هذه الإجراءات تعيد ترسيخ مفهوم النمو الائتماني المسؤول القائم على التقييم السليم للجدارة الائتمانية، بعيدًا عن السعي وراء تعظيم الحصص السوقية أو تحقيق أرباح قصيرة الأجل.

وأشار إلى أن الغرامات تعبر عن تحول نوعي في فلسفة الرقابة لدى البنك المركزي، من نهج يغلب عليه الطابع الإرشادي والتنبيهات غير العلنية، إلى نهج أكثر صرامة يقوم على المساءلة القانونية المباشرة والإفصاح. ولفت إلى أن إعلان العقوبات وبيان أسبابها يعزز الأثر الردعي ويحد من تكرار المخالفات، ويؤكد أن التعليمات الرقابية أصبحت ملزمة بصورة قاطعة ولا تقبل التأويل أو الاجتهاد.

وأكد أن هذه الإجراءات تسهم بشكل مباشر في تعزيز الانضباط المؤسسي داخل البنوك، إذ لا تستهدف فقط تصحيح أخطاء تشغيلية، بل تدفع مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة عن سياسات الائتمان ونظم إدارة المخاطر والرقابة الداخلية. وأضاف أنها تحفز البنوك على مراجعة كفاءة لجان الائتمان، وتعزيز استقلالية إدارات المخاطر، ورفع مستوى الالتزام بالإطار الرقابي المعتمد.

وأوضح الخبير المصرفي أن البنك المركزي يبعث من خلال هذه الغرامات بعدة رسائل استراتيجية، في مقدمتها أن الحفاظ على الاستقرار المالي يتقدم على اعتبارات الربحية قصيرة الأجل، وأن التيسير النقدي لا يعني بأي حال من الأحوال التراخي الرقابي. كما شدد على أن جودة الائتمان، والالتزام بحدود التركز، والتقييم الدقيق للمخاطر الائتمانية، تمثل ثوابت لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف.

وتوقع أبو الخير أن يكون لهذه الغرامات أثر واضح على سلوك إدارات البنوك خلال الفترة المقبلة، حيث ستدفعها إلى تشديد معايير منح الائتمان، وتعزيز دور إدارات المخاطر والالتزام، وتحديث السياسات والإجراءات الداخلية بما يتوافق بدقة مع تعليمات البنك المركزي. وأضاف أنها ستسهم في زيادة الاعتماد على أدوات القياس الكمي للمخاطر، وتحسين جودة البيانات الائتمانية، وربط قرارات التمويل بالتدفقات النقدية الحقيقية والقدرة الفعلية على السداد، بدلًا من الاعتماد المفرط على الضمانات.

وأشار إلى أنه رغم المخاوف المتعلقة بتأثير التشدد الرقابي على معدلات النمو الائتماني، فإن هذه الإجراءات لا يُتوقع أن تؤثر سلبًا على كفاءة الأداء المصرفي على المدى المتوسط والطويل، بل قد تسهم في تحسين نوعية النمو ذاته، من خلال الحد من تراكم المخاطر وتقليص احتمالات تعثر القروض مستقبلًا، بما يدعم الربحية المعدلة بالمخاطر واستدامة الأداء المالي.

وأكد على أن النهج الرقابي الصارم يعزز ثقة المودعين والمستثمرين في متانة القطاع المصرفي المصري، مشيرًا إلى أن وجود جهة رقابية قوية تطبق القواعد بحزم وشفافية يرسخ الثقة في سلامة النظام المصرفي وقدرته على مواجهة الصدمات، كما يعزز جاذبيته أمام المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية التي تولي قوة الإطار الرقابي أهمية كبيرة عند تقييم مخاطر الاستثمار في الأسواق الناشئة.

ومن جانبها قالت دينا الوقاد، محلل الاقتصاد الكلي، إن الغرامات التي فرضها البنك المركزي المصري مؤخرًا على عدد من البنوك تحمل دلالات بالغة الأهمية، تعكس تحولًا واضحًا في النهج الرقابي، مؤكدة أن أي تجاوزات تنظيمية، خاصة المرتبطة بالائتمان أو إدارة المخاطر، لم تعد تُصنف باعتبارها “أخطاء إدارية” أو “ملاحظات رقابية”، بل أصبحت لها تكلفة حقيقية ومباشرة.

وأوضحت الوقاد أن البنك المركزي بات أكثر وضوحًا وحسمًا في تعامله مع مخالفات الالتزام، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا من مساحة أوسع للتوجيه والنصح والتصحيح التدريجي، إلى مرحلة تقوم على المساءلة المباشرة. وأضافت أن ذلك لا يعني تخلي البنك المركزي عن دوره الإرشادي، لكنه في الوقت نفسه رسم خطوطًا حمراء واضحة، مفادها أن استمرار الخلل أو تكراره يقابله تطبيق فوري للعقوبات.

وأكدت أن هذه الإجراءات سيكون لها تأثير مباشر على الانضباط المؤسسي داخل البنوك، إذ تدفع الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارات إلى إعادة تقييم شاملة لنظم الامتثال، ولجان المخاطر، وجودة القرارات الائتمانية، وحتى ثقافة اتخاذ القرار نفسها. وأشارت إلى أن الحوكمة لم تعد إطارًا شكليًا أو تنظيميًا فقط، بل تحولت إلى ضرورة تشغيلية لا غنى عنها لضمان استمرارية الأعمال واستقرارها.

وأضافت الوقاد أن الرسالة الأساسية التي يبعث بها البنك المركزي من خلال تشديد العقوبات واضحة وصريحة، وهي أن الاستقرار المالي ليس مجالًا للتجربة أو التساهل. وأوضحت أن البنك المركزي يؤكد من خلال هذه الخطوات دوره كحارس على سلامة القطاع المصرفي ككل، وليس مجرد جهة تنظيمية تصدر التعليمات، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل مرحلة اقتصادية حساسة تتداخل فيها ضغوط داخلية وخارجية.

وبشأن انعكاس هذه الإجراءات على سلوك إدارات البنوك، توقعت محلل الاقتصاد الكلي أن يظهر التأثير في صورة قدر أكبر من الحذر والتدقيق في قرارات منح الائتمان، والحد من القرارات السريعة أو المجازفات غير المحسوبة. كما رجحت أن تتجه البنوك إلى زيادة الاستثمارات في أنظمة الامتثال وإدارة المخاطر والبنية التكنولوجية الداعمة لها، حتى وإن ترتب على ذلك ارتفاع في التكاليف التشغيلية على المدى القصير.

وأشارت الوقاد إلى أن بعض المخاوف قد تثار بشأن احتمال تباطؤ معدلات النمو الائتماني نتيجة هذا التشدد الرقابي، إلا أنها أكدت أن هذا الأثر – إن وُجد – سيكون محدودًا ومؤقتًا. وأوضحت أن التجربة تؤكد أن البنوك التي تتمتع بحوكمة قوية ونظم واضحة قادرة على تحقيق نمو صحي ومستدام على المدى المتوسط والطويل، مقارنة بالبنوك التي تعتمد على توسعات سريعة وغير مدروسة تنتهي غالبًا بتراكم المخاطر.

وأضافت أن التشدد الرقابي يسهم في تحسين نوعية النمو الائتماني، من خلال التركيز على الجدارة الائتمانية الحقيقية، وجودة التدفقات النقدية، والقدرة الفعلية على السداد، بدلًا من التوسع الكمي غير المنضبط. وهو ما ينعكس إيجابًا على متانة المراكز المالية للبنوك وربحيتها المعدلة بالمخاطر.

وفيما يتعلق بثقة المودعين والمستثمرين، أكدت الوقاد أن الرقابة الصارمة تمثل في حد ذاتها عنصر طمأنة مهم للسوق، مشيرة إلى أن تدخل البنك المركزي ومحاسبته للمخالفين يبعث برسالة واضحة بأن القطاع المصرفي يخضع لرقابة فعالة ويتمتع بحماية مؤسسية قوية. وأضافت أن هذه الثقة تعد عنصرًا أساسيًا لجذب الاستثمارات طويلة الأجل، سواء المحلية أو الأجنبية.

وخلصت دينا الوقاد إلى أن ما يشهده القطاع المصرفي حاليًا لا يمكن وصفه بالتشدد لمجرد التشدد، بل هو عملية إعادة ضبط إيقاع للمنظومة المصرفية ككل ، وأكدت أن البنك المركزي يبعث برسالة حاسمة مفادها أن الالتزام لم يعد خيارًا، وأن الاستقرار المالي له ثمن، ومن يخالف القواعد هو من سيتحمل تكلفة هذا الإخلال .

رابط مختصر:

استطلاع رأي

ما هي الوسيلة التي تفضلها لاستثمار أموالك بعد قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
مساحة تحت المقال في الاخير ( الزراعي)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.